ابن قيم الجوزية

168

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

كالإعصار ذي النار المحرق للجنة التي غرسها بطاعته وعمله الصالح . فلو تصور العامل بمعصية اللّه بعد طاعته هذا المعنى حق تصوره وتأمله كما ينبغي لما سولت له نفسه واللّه إحراق أعماله الصالحة وإضاعتها ، ولكن لا بد أن يغيب عنه علمه عند المعصية . ولهذا استحق اسم الجهل . فكل من عصى اللّه فهو جاهل . فإن قيل : الواو في قوله تعالى : وَأَصابَهُ الْكِبَرُ واو الحال أم واو العطف ؟ وإذا كانت للعطف فعلام عطفت ما بعدها ؟ . قلت : فيه وجهان . أحدهما : أنها واو الحال ، اختاره الزمخشري ، والمعنى : أيود أحدكم أن تكون له جنة شأنها كذا وكذا في حال كبره وضعف ذريته . والثاني : أن تكون للعطف على المعنى . فإن فعل التمني وهو قوله : أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ لطلب الماضي كثيرا . فكان المعنى : أيود لو كانت له جنة من نخيل وأعناب وأصابه الكبر فجرى عليها ما ذكر . وتأمل كيف ضرب سبحانه المثل للمنفق المرائي الذي لم يصدر إنفاقه عن الإيمان : بالصفوان الذي عليه التراب ، فإنه لم ينبت شيئا أصلا ، بل ذهب بذره ضائعا لعدم إيمانه وإخلاصه . ثم ضرب المثل لمن عمل بطاعة اللّه مخلصا بنيته للّه ، ثم عرض له ما أبطل ثوابه : بالجنة التي هي من أحسن الجنان وأطيبها وأزهرها . ثم سلط عليها الأعصار الناري فأحرقها . فإن هذا نبت له شيء وأثمر له عمله ، ثم أحرقه ، والأول لم يحصل له شيء يدركه الحريق . فتبارك من جعل كلامه حياة للقلوب وشفاء للصدور وهدى ورحمة للمؤمنين . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 267 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 267 )